الطبراني

251

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وقوله تعالى : وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) ؛ عطف على قوله : ( أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) . معناه : واعلموا أنّ محشركم في الآخرة إلى اللّه ، فيجزي كلّ عامل بما عمل ، إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرّا فشرّ . وقيل : في آخر الآية تأويل الآية ؛ أي الذي يحول بين المرء وقلبه قادر على أن يبدّل خوفكم أمنا ، وأمن عدوّكم خوفا ، فيجعل القويّ ضعيفا والضعيف قويا ، والعزيز ذليلا والذليل عزيزا ، والشّجاع جبانا ، والجبان شجاعا ، يفعل ما يشاء وما يريد ، فأجيبوا الرسول في الجهاد ولا تخافوا ضعفكم . قوله عزّ وجلّ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ؛ نزلت في عثمان وعليّ رضي اللّه عنهما ، أخبر اللّه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالفتنة التي تكون تسببها أنّها ستكون بعدك يلقاها أصحابك تصيب الظالم والمظلوم ، ولا تكون بالظّلمة وحدهم خاصّة ولكنّها عامة ، وأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك أصحابه ، فكان بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من الفتن بسبب عليّ وعثمان ما لا يخفى على أحد « 1 » . قوله تعالى : ( لا تُصِيبَنَّ ) جواب الأمر بلفظ النّهي ، كما يقال : انزل من الدّابة لا تطرحك أو لا تطرحنّك ، معناه : أن تنزل عنها لا تطرحنّك ، فإذا أثبتّ النون الخفيفة والثقيلة كان آكد للكلام ، ومنه قوله تعالى : ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ « 2 » . والمراد بالفتنة القتل الذي ركب الناس فيه بالظّلم ، وكان أمر اللّه أمرا باتّقاء ترك الإنكار على أهل المعاصي واتّقاء الاختلاط بأهل المعصية ، قال ابن عبّاس : ( أمر اللّه المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين أظهرهم ، فيعمّهم اللّه بالعذاب ) « 3 » .

--> ( 1 ) عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ يكون بين النّاس من أصحابي فتنة يغفرها اللّه لهم بصحبتهم إيّاي ، يستنّ بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم اللّه بها النّار ] . حكاه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 391 : تفسير الآية . ( 2 ) النمل / 18 . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12345 ) .